الشنقيطي
231
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
آدم ، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح . قلت : هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام . وقد قيل : إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذا من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ الصالح ، ولم يقل والولد الصالح ، كما قال آدم وإبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام « 1 » - انتهى الغرض من كلام ابن كثير رحمه اللّه تعالى . وقال ابن كثير أيضا في تفسير هذه الآية الكريمة : يقول تعالى هؤلاء النبيون ، وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط ؛ بل جنس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس ، إلى أن قال في آخر كلامه : ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة « الأنعام » : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [ الأنعام : 83 - 84 ] - إلى قوله - أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] - ا ه . وقد قال تعالى في صفة هؤلاء المذكورين في « الأنعام » : وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) [ الأنعام : 87 ] . كما قال في صفة هؤلاء المذكورين في سورة « مريم » وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 ) بين فيه أن هؤلاء الأنبياء المذكورين إذا تتلى عليهم آيات ربهم بكوا وسجدوا . وأشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر بالنسبة إلى المؤمنين لا خصوص الأنبياء ، كقوله تعالى : قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ( 108 ) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ( 109 ) [ الإسراء : 107 - 109 ] ، وقوله : * وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [ المائدة : 83 ] ، وقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 2 ] ، وقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] . فكل هذه الآيات فيها الدلالة على أنهم إذا سمعوا آيات ربهم تتلى تأثروا تأثرا عظيما ، يحصل منه لبعضهم البكاء والسجود . ولبعضهم قشعريرة الجلد ولين القلوب والجلود ، ونحو ذلك . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وَبُكِيًّا ( 85 ) جمع باك . وعن عمر بن الخطاب
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي ذر الغفاري : البخاري في الصلاة حديث 349 ، وأحاديث الأنبياء حديث 3342 ، ومسلم في الإيمان حديث 263 . وأخرجه عن مالك بن صعصعة البخاري في فضائل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حديث 3887 .